أحاصِرُ دمعًا ما له أنت حاصرُ
ولُؤمُكَ مَخفِيٌّ ولومُكَ ظاهرُ
أَتعلمُ أنّي شاعرٌ عَزَّ مِثلُه
وتجهلُ أنّي بالذي بكَ شاعرُ ؟!
فلا تُرهِقَنِّي بالنصيحةِ جاهِدًا
كأنَّ الذي بيني وبينَكَ عامِرُ
ولو نالَ لُوَّامي نصيبًا مِنَ الحِجَا
لَأَسْكَتَهُمْ إنكارُنا المُتَوَاتِرُ
لعمرُكَ لمْ أذكرْ مصيريَ مذْ نأتْ
عنِ العينِ إلا قلتُ بئسَ المصائرُ
تَجاوَزَ حدَّ الكُفرِ في طعنِ مُهجَتي
فراقٌ- بإجماعِ الأحبّةِ- كافرُ
وليتَ الذي عنّي نَأَى- وحدَهُ- نَأَى
لقدْ صحبَ النائي المُنَى والبشائرُ
فأصبحَ أصحابي الكآبةُ والأسَى
وإنّي وفيٌّ للصحابِ مُسامِرُ
وكانتْ حياتي ثمّ صارتْ عذابَها
لِيلْعَنَ ما قد كانَ ما هو صائرُ
أكتّمُ ما أسطيعُ منْ لاعجِ الهوى
فحينًا أداريهِ وحينًا أُجاهِرُ
ولا أدّعي أنّي كتمتُ أَحَرَّهُ
فللهِ ما أُبدي وما أنا ساترُ !
وإنّي وإنْ لمْ يَجْرِ دمعي علَى النّوى
أُرِيكَ به أنَّ العيونَ شواعرُ
تذكّرتُ عينيها فخُطَّتْ قصائدي
فما الشعرُ إلا ما تقولُ المَحَاجِرُ ؟!
متى خطرتْ في البالِ أجرَتْ علَى فمي
حروفًا كأنْ قد عَطَّرتْها أَزاهِرُ
ورَقَّتْ جبالٌ واستُهيمَتْ جلامِدٌ
إذا ما هَوَى صخرٌ هَوَى منهُ آخَرُ
وصالحَتِ الأرضَ السماءُ فشابهَتْ
عيونيَ إلّا أنّهنَ سواهرُ
ولا بِدعَ أنّ الحُسنَ جارَ علَى فتًى
ولكنّني أحببتُه وهْوَ جائرُ
ولو لمْ يَجُرْ إلّا قليلًا زهدتُه
ولمْ تَتَلَذَّذْ في حشايَ البَواتِرُ
ألوذُ به منهُ فأسألُ رُقيَةً
لعلّيَ تَرقِيني العيونُ السَّواحرُ
ويا طيفَها الزوّارَ مالكَ مُسرِعًا ؟!
أَعِفْتَ القِرَى أمْ طرفُ عينِكَ قاصِرُ ؟!
فزرْني وإنْ تمررْ كما مرَّ بارقٌ
علَى كلِّ حالٍ إنّني لكَ شاكرُ
ذكرتُكَ حتّى مَسَّ حُبِّي كرامَتي
فذُكِّرَ نسّاءٌ ونُسِّيَ ذاكرُ
وأَنزَلَ مِنْ قدري اتّخاذيَ صُحبةً
صغائرُهمْ مَرَّرْتُها والكبائرُ
وما حسنُ ظنِّ المرءِ إلا سفاهةٌ
إذا لم تُحَكَّمْ في الظنونِ البصائرُ
ولا أدّعي الإخلاصَ في كلِّ فَعلةٍ
فما زلتُ أخشَى أنْ تَبينَ السرائرُ
لعلّيَ ممّنْ إنْ عصَى اللهَ ضُلِّلَتْ
مَساعيهِ في الدنيا وتلكَ نذائرُ
إذا المرءُ لمْ يَسعدْ بإثمٍ ولمْ يتبْ
فليسَ له إلا الكآبةَ ظاهِرُ
يُهوّنُ منْ فقري اقتداري علَى الغِنى
وأنّي علَى ما لا يُرامُ لَقادِرُ
فما أنا عنْ مجدٍ بناءٍ وإنّما
يُفاخِرُ غيري بالذي لا أُفاخِرُ
وما الشاعرُ النحريرُ إلّا مَنِ ارْتَأَى
بأسرعِ نظمي أنّه مُتشاعِرُ
وأعجَزَني وصفُ الهوى غيرَ أنّه
مَشاعرُ لا تسمُو إليها مَشاعرُ
لِأعلمَ أنَّ العجزَ لمْ يتركِ امْرَأً
ولو كانَ فالمتروكُ منهُ المُثابرُ
ومنْ صورِ العجزِ الجديرةِ بالأسَى
تحيّرنا فيما تقولُ الخواطرُ
لكمْ أنْ تقولوا إنّ شِعريَ آثمٌ
إذا لم تَبِنْ كالشمسِ فيهِ الضمائرُ
شكوتُ به دهري كثيرًا كأنّما
نَوَاهِيَّ في عُرفِ الزمانَ أَوَامِرُ