العودة إلى القصائد

أَهَذا هوَ العيدُ

قصيدة الطويل 40 بيت المدح
أُهدي هذه القصيدة إلى أستاذتي الفاضلة : أ.د/عبير القناوي Abeer Ali رئيسة قسم الجيولوجيا بجامعة الزقازيق ، وهي محاولة عاجزة للثناء على مكارمِها ، وردّ بعضِ أفضالها عليّ ، وهذه القصيدة من أصدق ما كتبت ، أو الأصدق ، لأنّ المدحَ يكاد يخلو من أي صورة من صور المبالغة ، فإنّني كنت صادقًا حينَ قلتُ : تَخَيَّرُ مِنْ بينِ الكلامِ أَرَقَّهُ وتحسبُ فيه غِلظةً فتُعَقِّبُ نعم ما زال يوجد في هذه الحياةِ منْ بلغ حُسْنُ خُلقِه هذا المبلغ الصعب ، فمِنْ فرط خشيتِها على مشاعر الطالب رغم تقصيرِه تنتقي الكلمات التي لا تجرحه ، بل تشجعه وتدعمه ، وربما عَقَّبَتْ على كلامها بكلام آخر أكثر دعما ورفقا ، خشيةَ أنْ يكونَ في الكلامِ الأوّل ما يجرح ، وإنني كنت أتهيّب مدحَها ، وما زلتُ ، ولكنني - وإنْ كنتُ أخشَى ألا أكون مُستحقًّا لشرفِ هذا المدح - أخشى ألّا يُلتَفَتَ إلى هذهِ الخصالِ السامية ، ويعزّ عليّ ألا تُنسج في صور رائقة ، وقد بدأتُ كتابتها قبلَ ثلاث سنوات في العيد ، ثم تركتُها ، ثم عدتُ إليها الآنَ ، وها هي أمامكم :

أَهَذا هوَ العيدُ الذي كنتَ تَرقُبُ !

وُجُوهٌ كأنَّ الحُزنَ فيها مُرَكَّبُ

وما حَسَنُ الأيّامِ إنْ ساءَ عيدُها

وعَزَّ الْلِّقَا إلّا بمَنْ تَتَجَنَّبُ؟!

صدقتَ، لِأحوالِ الزمانِ تَقَلُّبٌ

ولكنْ علَى أرزائها تتقلّبُ

تَكَلَّفَتِ الناسُ ابتسامتَها به

فلو نَطقَتْ قالتْ: أُرَائي وأكذبُ

ورُبَّ مُراءَاةٍ عليها مَثُوبَةٌ

إذا لم يكنْ إلّا التَجَمُّلَ مطلبُ

وقد أصبحُوا كُلٌّ يُكَلِّمُ نفْسَهُ

مِنَ الهَمِّ حتّى قيلَ جُنُّوا وغُيِّبُوا

غدتْ صِلَةُ الأرحامِ إمضاءَ واجبٍ

أما علموا أنّ المحبةَ أوجبُ ؟!

بلمسةِ زِرٍّ هنّأَ الناسُ بعضَهم

ولو صَدَقُوا وُدًّا تلاقَوْا وأطنَبُوا

وما طالَ ليلٌ أو تأخّرَ مَشرِقٌ

عليَّ ولكنْ دامَ في القلبِ غيهبُ

ولم يكتملْ يأسُ الفتَى واكتئابُه

ولِلْغدِ مِنْهُ بُغيَةٌ أو تَرَقُّبُ

ومَنْ يكتئبْ يُغرَمْ بإضرارِ نفسِهِ

ويسخرْ مِنَ الموتِ الذي منهُ يَقْرَبُ

ثقيلٌ علَى الأرضِ الخُطَى ليسَ تَبتغي

مُرادًا ولا تدرِى إلى أينَ تذهبُ!

وربتّما أضمَرتُ شوقي إلى الرّدى

وقلتُ: ألا إنَّ المَنِيَّةَ أعذبُ

تَمَنّيْتُها حتّى تَفَاجَأْتُ بالتي

أَرَتْنِيَ أنّ البِرَّ ما زالَ يُنجِبُ

رئيسةُ قِسْمٍ بالأمانةِ والتُّقَى

تَحَلَّتْ وكمْ قد غَيَّرَ المرءَ مَنصِبُ!

عَنَاها تَسَامِيها ورفعةُ شأنِها

بأخلاقِها لا بالذي تَتَلَقَّبُ

تأمّلتُ فيها هيبةً في تَوَاضُعٍ

إلَى أنْ بَدَا أنَّ التأمُّلَ هَيِّبُ

فأطرقتُ طرفي رهبةً وتَأَدُّبًا

وَعُدتُ وسَمْتِي رهبةٌ وتَأَدُّبُ

تَخَيَّرُ مِنْ بينِ الكلامِ أَرَقَّهُ

وتَحسَبُ فيه غِلظةً فتُعَقِّبُ

وتُشفِقُ حتّى لا تُجازِيَ آثِمًا

علَى الإثمِ إلّا بسمةً حينَ تَعتُبُ

عليَّ لها أيدٍ إذا بِتُّ واهِمًا

لِشُكرِيَ أدناها فإنّيَ مُذنِبُ

أسيرٌ لإحسانٍ - وإنّ قلَّ - واحدٍ

فكيف بمَنْ إحسانُها مُتَشَعِّبُ ؟!

تُعَلِّمُ قَبْلَ العِلْمِ خيرَ خَلائقٍ

تُهَذِّبُ في الطُّلابِ ما لا يُهَذَّبُ

تُعَلِّمُ أنَّ العِلْمَ شَرٌّ علَى الفَتَى

إذا الكِبرُ لم يُقْتَلْ به والتَّعَصُّبُ

فلو شابَهَتْها الأمّهاتُ لَمَا مَشَى

علَى الأرضِ إلا صالِحٌ أو مُقَرَّبُ

ولم تَزَلِ الدنيا بخير ورحمةٍ

إذا لم يَزَلْ منها مَجِيءٌ ومَذهَبُ

إذا عَرَضَتْ لي خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِها

وحاولتُ إيجازًا لها بِتُّ أُسْهِبُ

ويَعذُبُ لِي مدحي لها فأَصُوغُهُ

علَى طُرُقٍ شَتّى إلى المجدِ تُنسَبُ

ولستُ مَلُومًا أنني كَلِفٌ بها

هِيَ الأمُّ لا تَقْسُو ولا تَتَغَيَّبُ

ولا تَرتَضي إلا بإحياءِ أنْفُسٍ

مِنَ اليأسِ إنّ اليأسَ موتٌ مُجَرَّبُ

تَمُدُّ يدًا لِلعونِ دائمةَ النَّدَى

وربَّ يَدٍ تُهدِي النَّدَى ثمَّ تَسلُبُ

وما ضَرَّني إنْ خابَ ظنّي بغيرِها

وظَنِّيَ فيها وَحدَها لا يُخَيَّبُ

سَمَاحَتُها تكفي الأنامَ ولُطفُها

يَعُمُّ وأمّا بِرُّها فمُحَبَّبُ

وإنْ رَهَّبَتْنا رَغَّبَتْنا كأنّها

تُرَغِّبُنا في الخيرِ حينَ تُرَهِّبُ

وما أَشْرَقَتْ إلا تجّمعَ حولَها

تلاميذُ مِنْ أنوارِها تَتَعَجَّبُ

وما كانَ عقلي قَبْلَ مَعرِفَتي بها

يُصَدِّقُ أنْ يمشي على الأرضِ كوكبُ

إذا وَعَدَتْ أَوْفَتْ وإنْ عَزَمَتْ مَضَتْ

وإنْ سُئلَتْ أعطَتْ ولا تَتَذَبْذَبُ

وما ذنبُها أنّ المَعالي أسيرةٌ

لَدَيْهَا ومَنْ رامُوا عُلاها تَنَكَّبُوا

ألمْ يَكْفِهمْ مِنْ بحرِها أنْ تَشَرَّبُوا

ومِنْ غيثِها أنْ المَكَارِمَ تُسْكَبُ ؟!

فإنّيَ أُهدِيها القصيدَ وغايَتي

مُرُورٌ لها لا أنّها سوفَ تَطرَبُ