أحنُّ إلى مَنْ لا تضنُّ سحائبُه
ومَنْ لا ترَى إلا بعيني حَبائبُه
إذا نحنُ أضنانا الفِراقُ فليلَتي
كواكبُها في بُطئِهِنَّ كواكبُه
ولو لم يكنْ بالدهرِ إلا النّوى بَلَا
لكانَ عجيبًا أنْ يُلامَ مُعاتِبُه
شكوتُ إلى اللهِ الذي لمْ أبحْ بهِ
وما عجبٌ في أنَّ قلبَكَ صائبُه
حَبيبي وإنْ كنتُ ادّعيتُ أحبّةً
لقلبيَ زورًا كي تهونَ مصائبُه !!
فلا تتوهّمْ أنّ غيرَكَ مالكٌ
فؤادي وإنْ أغرتْكَ منّي مَناقِبُه
عفيف ٌ ولو قلتُ اسمُه فيهِ وصفُه
لَضِيمَتْ بإحدَى المَكرُماتِ مواهبُه
عَلَا ذوقُه في الشعرِ، حسبيَ أنّني
يُجاذِبُني مِنْ حُسنِه ما يُجاذبُه
وقد زعمُوا أنْ الخرائدَ جمّةٌ
فقلتُ مُحاكاةٌ لِمَا هوَ كاتبُه
وما صدقُوا مهما ادّعَوا شَبَهًا لهُ
فأظهرُ ما يُبدي المشيبَ خَواضِبُه
عجائبُهمْ مألوفةٌ إنْ تكرَّرَتْ
وتَربُو علَى التَّكرارِ منهُ عجائبُه
فليسَ كمَنْ أشعارُه في تَفاوُتٍ
ووافرُهُ أزرَى به مُتقارِبُه
خَلا منْ صِفاتِ الناسِ إلّا أَجَلَّها
فما عابَه - إلّا وعُيِّبَ - عائبُه
فأدنَى معاليهِ التي عزَّ مثلُها
علَى الناسِ إلا أنّهنّ معايبُه
ورُوقِبَ حتّي يُستفَزَّ بزَلَّةٍ
فشاعتْ مَعاليهِ وفاحتْ أطايبُه
بُخفَّيْ حُنَينٍ عادَ رائمُ إثمِه
وما عادَ - إلا حافِيًا - مَنْ يُغاضِبُه
يُجاريهِ مهزومٌ ويَجفوهُ خاسرٌ
وينساهُ مَنسِيٌّ ويُهتابُ هائبُه
ومنتعِلُ الأقمارِ ما بالُ تاجِهِ ؟!
ومُحتقِرُ الأمجادِ مَنْ ذا يُغالِبُه ؟!
عجبتُ لمَنْ أضحَى له غيرَ حاسدٍ
وقدْ حُسِدَتْ منْ كلِّ عينٍ أقاربُه
فَخرتُ به خِلًّا حبيبًا وقد كفَى
بمِثليَ فخرًا أنّني قد أُجانِبُه
شُفِيتُ مُوَاساةً به، إنّما الفتَى
مَتاعِبُه ألّا تُحَسَّ مَتاعِبُه
وقد كنتُ أرجو أنْ أرَى بمدائحي
جديرًا فلمْ يَجدُرْ بمدحِكَ واهبُه
مدحتُكَ مدحًا لا يفي منكَ خَصلةً
وإنْ كنتُ هجَّاءً لما أنتَ جالِبُه
فيا أيها البدرُ الذي ظلَّ مُمسِكًا
ببدرٍ علَى أنَّ اسمَه لا يُناسبُه
أُعيذُكَ منْ تجريبِ مَضمضةِ الخَنا
وإنْ تصفُ عندَ العالمينَ مشاربُه
عكفتَ على ما يسلبُ المرءَ نورَه
وهيهاتَ بل ديجورُه أنتَ سالبُه
رأيتُ أبا قيسٍ طَروبًا بنظمِه
فبانتْ بأرزاءِ الزمانِ غرائبُه
إذا ما القوافي طُوِّعَتْ فحرامُها
حلالٌ وكلٌّ لا تُذَمُّ مَذاهبُه ؟!!
ولو أنَّ شعرَ المرءِ يرفعُ قدرَه
لما قالَ غيري غيرَ ما هو عائبُه
فدعْ عنكَ حُسنًا لو مِنَ القلبِ مُكِّنَتْ
شوائبُه لمْ تبقَ إلا شوائبُه
أمَنْ جادَ لمْ تُخلَقْ عقاربُ جودِهِ
كمَنْ جادَ لمْ تَمْسَسْكَ إلا عقاربُه ؟!
ومنْ غلبتْ أوزارُه حسناتِه
سيجَني عليهِ كلُّ ما هوَ كاسبُه
ولا تقلِ الحِرزيُّ أجدرُ بالهجَا
فما المرءُ إلّا - لو تفطّنتَ - صاحبُه
فسُبَّ ولا تعتبْ وَعَنِّفْ ولا تَلُمْ
وأيُّ مَلُومٍ -ويحَه- لانَ جانِبُه ؟!
وبحرُ الوغَى قد يُتَّقَى بطشُ موجِه
وبحرُ الهوى لا تَتّقيهِ مَراكبُه
علَى أنّه أدهَى وأقتلُ بغتةً
وأجدرُ ألا تُستهانَ عواقبُه
شواربُهم مَحفوفةٌ لا تَدَيُّنًا
ولكنْ يَشِينُ الدمعُ مَنْ كَثَّ شاربُه
فلمْ يبقَ إلا أنْ يَخُصُّوا جهنّمًا
لِذاكَ الذي عزّتْ عليهِ سواكبُه
وإنّ ابيضاضَ العينِ ليسَ بمُنتهَى
شقاءِ مِنْ ابيضّتْ شقاءً ذوائبُه
وَأَنَّى يُرَجَّى مُستفادٌ مِنَ الذي
مَشارقُه في حسرةٍ ومَغاربُه ؟!
يُرِيدُونَ إرخاصَ المَعالي كأنّها
إذا ادُّعِيَتْ في الشعرِ صُدِّقَ كاتِبُه !
وكيفَ لِمَنْ تستصغرُ الأرضُ بأسَهُ
يُؤمِّلُ أنْ تغزو السماءَ كتائبُه ؟!
ألا لُعنِتْ في الأمرِ -لو كنتُ لاعِنًا-
روافضُه جمرُ الغَضَى ونواصِبُه
فهذا ادّعاءٌ للمَحبةِ كاذبٌ
وهذا عداءٌ كاسبُ العارِ كاسبُه
محمّدُ قد أجللتُكَ الدهرَ طالبًا
فلا تخدَعنّي بالذي أنت طالبُه
وكيفَ تطيقُ السعيَ في طَلَبِ العُلا
وغيرِ العُلا يا ابنَ العُلا أَتُداعِبُه
فغَسِّلْ يديكَ الآنَ ما بهما سِوى
نذيرٍ بأنَّ الليلَ يهلكُ حاطِبُه
محاذيرُ قلبي واقعاتٌ جميعُها
فليتَ محاذيرَ الفؤادِ رغائبُه
تَبَسَّمَ لي دهري فأمسيتُ حاذرًا
فما بسماتُ الدهرِ إلا نوائبُه
إذا الحزنُ لمْ يَغرِسْ بقلبيَ حكمةً
فلستُ سِوى مَنْ عَذَّبَتْهُ تجاربُه
طَمَحتُ إلي ما لا يُرامُ كأنّني
فتًى فَوْتُه للمَكرماتِ مَصائبُه
وعُيِّرتُ أنّي لم أنلْ أسهلَ العُلا
وكانَ اشْتِغالي أنْ تُنالَ مَصاعِبُه
فإنْ لم يكنْ للمستحيلِ تَحَقُّقٌ
لديَّ فزهدٌ ينظرُ الموتَ كاذِبُه
وما فرحَتي والنجمُ أصبحَ في يَدي
وما عِلّتي والليلُ طالتْ غَياهبُه ؟!
لعمري لقد أعيتْ عليَّ مَذاهبي
وإنْ كنتُ مَنْ في الناسِ صَحَّتْ مذاهبُه