أكادُ أُلْقَى علَى جبّانةٍ كَلَفَا
يا للمُصابِ يُعرِّي لابسًا تَرَفَا
ذكرتُ موتَ نبيِّ اللهِ فارتجفتْ
فرائصِي وفؤادِي مثلُها رجفَا
لا موتَ مِنْ بعدِه داهٍ ومِنْ عَجَبٍ
يُقالُ في غيرِه : يا صاحبيَّ قِفَا
كأنّه وهْوَ أوفَى النّاسِ ما تركتْ
لنا مَنيّتُه إلّا دموعَ وَفَا
ما أسرفتْ مُقلٌ بالدّمعِ واتّعَظَتْ
فمَنْ لِعيني بمُفتٍ حلّلَ السَرَفَا ؟!
ومَنْ لصبٍّ تراهُ في تَصَبُّرِهِ
علَى شَفَا حُفرةٍ مِنْ شوقِه ذَرَفَا ؟!
وما بكائي رثاءً غيرَ أنّ فمِي
يستنطقُ الوجدَ أوْ يستصرخُ اللهَفَا
وكيفَ يُرثَى ولمْ تبرحْ فضائلُه
حتّى تُجسِّدَهُ في عينِ مَنْ عَرَفَا ؟!
قد زرتُه فبدا لي مِنْ زيارتِه
أنّي أُضَمّ إلى مَن زارَ فاعتكفَا
مُوَطَّدٌ حُبُّه في المُسلمينَ فمَنْ
لمْ يَفْنَ شوقًا لرُؤياهُ - إليهِ - هَفَا
وذو الهوى جابَ بحرًا ليسَ يُغرقُه
وَلَمْ يعمْ ناجِيًا لكنْ عَلَيْهِ طَفَا
يا لِلهوى مِنْ عنيدٍ لمْ يُخَلِّ فَمًا
ورغمَ ما قيلَ فيهِ بعدُ ما اكْتُشِفَا
إذا بُليتُ به فاللهُ يَحفظُنا
معًا كأنَّ حرامٌ أنْ يكونَ جَفَا
لمْ أُبْدِ حُبِّي وما في اللومِ مِنْ عَجَبٍ
إنْ كنتُ بالغتُ في كِتمانِه فَخَفَا
وإنْ وَصِبتُ فلُطفُ اللهِ يَحفظُني
ولا يُؤَمَّلُ إلّا عفوُ مَنْ لَطَفَا
لو يعلمُ المُبتلَى لطفَ اللطيفِ به
بكَى حياءً بفضلِ الله مُعترِفا
لعلَّه عَتَبٌ مِنْ عندِ خالقِه
حتّى يرَى الذنبَ في يُمناهُ قد حُذِفَا
أَوْفَى رجاءٍ - إذا أخلصتَ مُتَّقِيًا -
أن ترجوَ اللهَ لا الجنّاتِ والغُرَفَا
وأجملُ الخوفِ ما تنسَى الجحيمَ بهِ
فتستحِي أنْ يراكَ اللهُ مُقتَرِفَا
فوزانِ للمُهتدِي : رضوانُ بارئِه
عليهِ ثمّ جنانٌ تُذهِبُ الدَنَفَا
فسلْ إلهكَ دونَ النّاسِ مُفتقِرًا
إنّ العزيزَ إذا ما احْتاجَ ما اسْتلَفَا
يا أيّها المالُ لا رامتْ يدايَ غِنًى
إلّا عنِ المالِ فاجعلْ منكَ لي كَفَفَا
وقلْ لنفسِكَ تُوبي واهْرعِي وقفي
عندَ الحُدودِ ولا تُعطِي المُنى طَرَفَا
لولا اليقينُ بأنَّ الحشرَ يُجمعُنا
لما وَجدْنا بخَلْقٍ للدُّنَى هَدَفَا
وما وَجدنا مِنَ الإسرافِ أنّ لنا
فرشًا مِنَ الماسِ أو مِنْ فضّةٍ سُقُفَا
موتُ النّفوسِ له قبلَ الرّدى صُورٌ
أشدُّها العيشُ في فقدانِها الشَّغَفَا
فاعزمْ علَى توبةٍ عزمًا به جَلَدٌ
راجِي العُلُوِّ لِنَبْتِ المجدِ ما عَصَفَا
وافرحْ فلستَ كمنْ قامتْ قيامتُه
وافزعْ فإنَّ معادِ الحشرِ قد أَزِفَا
أخالُ أنّ رسولَ اللهِ أبصرَنا
فلمْ يجدْ مُسلِمًا إلّا اكْتوَى أَسَفَا
ولمْ يجدْني بمدحِي خيرَ مُتَّبِعٍ
بلْ قدْ رُئيتُ به دُرًّا حَوَى صَدَفَا
يا خَذْلَ مُصطَنَعِي فالأمرُ أكبرُ مِنْ
خِلٍّ رَأى بعِتابي حَسرتي فصَفَا
كأنّني بإطارٍ مِنْ مهابتِه
لا أرتجيِ بعدُ إلّا الصفحَ فالتَّلَفَا
عساهُ يعذرُ تَقصيري إذا نظرتْ
عيناهُ - عندَ انْكساري - جُرحيَ النَزِفَا
ما زلتُ آمُلُ أنْ أحيا البقيّةَ في
أنوارِ سُنَّتِهِ ، أَكرِمْ بها كَنَفَا
فما تتبّعَ ذو كربٍ طريقتَه
إلّا وصلّى علَى النّورِ الذي سَعَفَا
ولمْ يُصلِّ علَى المُختارٍ مِنْ أَحَدٍ
إلّا ونالَ مِنَ المُختارِ مُرتشَفَا
وما أتاهُ فقيرٌ عادَ مُفتقِرًا
بلْ عادَ مُفتقِرًا مِنْ كونِه انْصَرَفَا
القائدُ الفذُّ والمِقدامُ في جَلَلٍ
والعبقريُّ الذي مِنه اسْتَقَى الخُلَفَا
مُعطًى معَ الحُسنِ هَيْبًا كلّما لمحتْ
عيناكَ عينيهِ ذابَا رهبةً كَلَفَا
يا ويحَ مُبتعِدٍ عنْه ومُعترضٍ
فهْوَ اللبيبُ الذي يستجلبُ الخَرَفَا
عصماءُ دعوتُه ، غرّاءُ سيرتُه
خِطابُهُ لقلوبِ المُتعَبينَ شِفَا
تزعزَعَ الكفرُ لمّا هلَّ مولدُهُ
تزعزُعَ الماءِ في كفّيْ مَنِ اغْتَرَفَا
وكشَّ وجهُ الأسى مِنْ سَعْدِ طَلعتِهِ
كشَّ الثيابِ إذا ما ثوبُها شُطِفَا
نعمْ مِنَ الطينِ إلّا أنّه بشرٌ
لو حدّقَ النّورُ في عينيهِ لانْخَسَفَا
مُستَنشَقٌ مِنْ بعيدٍ طِيبُه فإذا
دَنا أحالَ المُلاقِي طِيبَه أَنَفَا
بثَوبِهِ العَرَقُ المِسكيُّ نفحتُه
وقيلَ يا ليتَه في جَبهَتي نَشَفَا
هلّا علَى ذِكْرِهِ أَحظَى برؤيَتِه
أو صُدفةً فأُحَيِّي عِندَها الصُّدَفَا
أيا حبيبًا إذا ما الله عاتبَهُ
قبلَ العتابِ يقولُ الله عنهُ عفَا
لكَ الشمائلُ قدْ أهدتْ مكارمَها
العفوَ والجودَ والإحسانَ والشرفَا
ما كانَ يسبقُ إبراهيمَ مَنزلةً
سواكَ والفضلُ في سبقِ الخليلِ كَفَى
إنْ سُخِّرَتْ لِسُليمانَ الرّياحُ فقدْ
أسرَى بك اللهُ ثوبَ العِزِّ مُلتَحِفَا
إنْ كنتَ آخرَهمْ دَهْرًا وأوَّلَهمْ
قَدْرًا فياءُ (يَراعي) تسبقُ الأَلِفَا
لمْ يعطفِ اللهُ إسمًا في الورى معهُ
وإنّ إسمَك باسمِ الله قدْ عُطِفَا
وسورةُ الحِجرِ بينَ النّاسِ شاهدةٌ
أنَّ العليمَ بعُمرِ المُصطفَى حَلَفَا
نُوديتَ ( يا أيُّها ) في الذِّكْرِ دونَهمُ
فدلَّ أنّكَ - قَطْعًا - سَيَّدُ الشُّرَفَا
والجنُّ يُنصِتُ للقرآنِ مُقتبِسًا
طُهرَ المَعاني ويَحكِي بَعدما صُرِفَا
"إنّا سَمِعْنا كِتابًا" كلُّه رَشَدٌ
وآيُهُ الحقُّ والموصوفُ ما وَصَفَا
أهديتَنا النورَ دربًا هاديًا أبدًا
فيا لِشقوةِ مَنْ عنْ دربِكَ انْعطَفَا
طابتْ أوائلُه حتّى أواخِرُه
فليسَ تعوجُّ أو تزوَرُّ مُنتصِفَا
أيستقيمُ صراطٌ بانْحرافِ خُطىً
أم تستقيمُ خُطى الدربِ الذي انحرَفَا ؟!
إنْ جمّعَ الناسَ في الدنيا مذاهبُهمْ
فالكلُّ ينظرُ بدرًا أينما وَقَفَا
واللهِ لمْ يُدنِهمْ مِنْ ربِّهمْ صنمٌ
وأنتَ قرَّبْتَنا مِنْ ربِّنا زُلَفَا
تَهدّمتْ بكَ للطاغوتِ أعمدةٌ
أَسْكَننْتَها بحُسامِ صارِمٍ جَدَفَا
وانْسلَّ مِنْ غِمدِه سيفُ الحقيقةِ في
بدرٍ وفي غيرِها لا يرحمُ العُلُفَا
فما رميتَ ولكنّ القويَّ رَمَى
وما قذفتَ بلِ الجَبّارُ مَنْ قَذَفا
فرقدةُ الظُلمِ موتٌ لا قِيامَ لَه
ورقدةُ الحقِّ سيفٌ للقِيامِ غَفَا
ربّيتَ جِيلًا علَى الإخلاصِ مُقتَطِفًا
نَجْمَ الشّموخِ إذا ما طابَ مُقتَطَفَا
لولا مُبالغَةٌ في المَدحِ قلتُ ألا
لا باركَ اللهُ إلّا هذه النُّطَفَا
أنارَ فَهْمَهمُ حُسْنُ اتِّباعِهمُ
همُ العِظامُ أَخصُّ الصّحبَ والسّلَفَا
مَنْ حادَ عنهمْ فقدْ حلَّ الضلالُ به
وعنْ خُطَى المُصطَفَى - يا ويحَه - عَجَفَا
أكتافُهمْ صُيِّرَتْ أجنادَ مِلَّتِه
ألمْ يكنْ قبلَ هذا أَنطقَ الكَتِفَا ؟
شاورتَ صحبَكَ والشّورى تمدُّ يَدًا
والأمرُ أمرُكَ لا كِبرًا ولا صَلَفَا
فالوحيُ حقٌّ وإنْ لمْ نُعطَ حِكمتَه
ولو يُخالفُ عقلًا – فيهِ – ما اخْتُلِفَا
أُزخرفُ الحرفَ والأفكارُ تسرحُ بي
في غيهبِ الحبِّ مخطوفًا ومُختطِفَا
شِعري إليكَ أبَى إلّا مُسامَرَتي
أمّا المجازُ فلِلحرفِ الصدوقِ نَفَى
فاعذرْ مقالًا تجلّى صدقُ نِيَّتِهِ
فإنْ مَظهرَهْ عنْ جَوهري عَزَفَا