لا كانَ بعدَكمُ مَنْ كانَ قبلَكم ُ
ولا تُقُبِّلَ دمعٌ ما اصطفاهُ دم ُ
ولا بَكَتْكُمْ سِوى عينٍ يُسَرُّ لها
بُكاؤها المُتَوَلِّي سيلَه الحِمَم ُ
ولا رُثِيتُمْ بمَفجوعٍ ومُرتجِفٍ
إلّا استحالَ سُهادًا للجُفونِ فَم ُ
وددتُ لو أنَّ أرضَ اللهِ قد بُلِعَتْ
وكلَّ ما ضُمَّ في كَينونةٍ عَدَم ُ
أو أنَّ كلَّ الوَرى هَمُّوا بمَعركةٍ
فُجَّارُها بالجَوارِ الكُنَّسِ ارْتطَمُوا
أوشكتُ أنْ أَتَرَدَّى في مُخيِّلَةٍ
قد جَسَّدَتْها الليالي وهْي تَصطلِم ُ
وكدتُ أُهدِي فِؤادي طعنةً كَرَمًا
حتّى يَرى صورةً أُخرَى له الكَرَم ُ
وإنَّ بي هَمَمًا ما طاقَها بَشَرٌ
لكنْ تعالتْ علَى غاياتِها الهِمَم ُ
فبتُّ لا أَبتغِي إلّا الترحُّلَ عنْ
دُنيا تدنَّى بها جودٌ ومُغتنَم ُ
الآنَ أُدركُ قولَ الفاقدينَ أسًى :
كلُّ الجراحِ سِوى الفقدانِ تلتئم ُ
يا ربُّ كيفَ دَهاني فقدُه وأنا
( لم يبقَ عنديَ ما يَبتزُّهُ الألَم ُ ) ؟!
وكيفَ ناحَ بأشعارِ الرِّثاءِ فَمِي
ودأبُه الوَجْمُ بلْ يُخفِي ويَبتسِم ُ ؟!
نَدَبْتُه بالقوافي اللاطماتِ إلَى
أنِ اسْتدامتْ بُحورُ الشعرِ تَلتطِم ُ
حسدتُ يونسَ إذ لم يبقَ مُلتقَمًا
فكلُّ يومٍ علَى ذِكراهُ أُلْتَقَم ُ
قالُوا كفاكَ علَى ما فاتَ تَبكِيةً
وما دَرَوْا أنَّ كُلًّا أصلُهُ قِدَم ُ
لا قانطًا منْ رَزايا الدهرِ كنتَ ولا
مُستنكِرًا لقضاءِ اللهِ يا قَلَم ُ
فحُكمُ ربِّكَ نَرضاهُ وإنْ عجزتْ
أفهامُنا أنْ تَبدَّى تحتَها الحِكَم ُ
اللهُ - لا الخيلُ والبيداءُ - يَعرفُه
وذو التُّقَى وبيوتُ اللهِ والحَرم ُ
بّشراكَ تبصرُ خيرَ الخلقِ مُبتهِجًا
في رؤيةٍ لا يُساوِي فضلَها نِعَم ُ
أُرَى كتابَكَ يُغري الصالحاتِ فلمْ
يزلْ يُضَمُّ به حُسنٌ به كَلَم ُ
أَتزرعُ الخيرَ في كلِّ العبادِ تُقًى
ويومَ متَّ يميتُ النّاسُ خيرَهم ُ ؟!
أقسمتُ باسمِكَ إنَّ الكربَ مُرتحِلٌ
لو جازَ بالحُرِّ مِنْ أمثالِكَ القَسَم ُ
لا يستفزُّ هِجائي مَنْ هجاكَ وهلْ
يَهجُو عيونَ الهُدى إلّا الذينَ عَمُوا ؟!
إنَّ الذينَ إليكَ الأمسَ ما استمعُوا
همُ الذينَ عليكَ اليومَ قدْ نَدِمُوا
أغدقتَ في فتنةٍ صبرًا وتوعِيةً
حينَ استوَى خلفَها الإنسانُ والصَّنم ُ
ولستُ أهجُو بها منْ لمْ يجدْ كَلِمًا
إنْ كانَ يَقضِي علَى إيمانِه الكَلِم ُ
كمْ فتنةٍ أنجبَتْ منْ عاقمٍ فَتَنًا
مُشَوَّهاتٍ فلا رأسٌ ولا قَدَم ُ !
والكتْمُ جهرٌ حكيمٌ إنْ فَطنتَ له
والجهرُ في غيرِ ما يُرجَى به كَتَم ُ
وأنتَ ذو حِكمةٍ في كلِّ نائبةٍ
وكلُّ ذي حِكمةٍ بالعقلِ مُتَّهَم ُ
وكلُّ نفسٍ لها صبرٌ يُقاسُ لذا
تُرَى السفاسفُ أحيانًا بها عِظَم ُ
وسُنَّةُ الحقِّ أنّ الحقَّ مُنتصِرٌ
والنّاسَ تبطشُ والأيّامَ تَنتقِم ُ
انظر لأسفلَ لنْ تلقَى سِوى قِمَمٍ
ما بالُ قَدْرِ الذي مِنْ تحتِه قِمَم ُ ؟!
والمجدُ قَيَّدتَه مِنْ كلِّ ناحيةٍ
فطالِبُوهُ لكَ الحُرَّاسُ والخَدَم ُ
لكنَّ جُرحًا أبَى إلا مُصاحبتي
لمّا تَرَحَّلْتَ عنّا أيّها العَلَم ُ
وكيفَ أَسترُ نَزفي في رَداكَ هُدًى
والكونُ مُكتئبٌ والبدرُ مُحتشِم ُ ؟!
يُظَنَّ شِعري قديرًا في تَحَسُّرِه
لكنّه العجزُ عِندي وهْوَ يَنتظِم ُ