ما راعَني البينُ والتفريقُ
لا القلبُ شاكٍ ولا خَفُوقُ
كأنّني مُوجَدٌ وحيدًا
فلا عَدَوٌّ ولا صديقُ
لمْ يَرحَلُوا بلْ رَحَلْتُ عنهم
لهم طريقٌ ولي طَريقُ
لم تُبدِ عينايَ مِنْ غرامٍ
ولم أقلْ إنّني مَشُوقُ
تَبَاعَدَتْ عنهمُ المَعَالي
وَشَسَعَتْ بيننا الفُرُوقُ
أَفْرَدَنِي الدهرُ إذ رآني
أَفْرَدَنِي مجديَ العريقُ
ولستُ بالشعرِ في اخْتِيالٍ
وإنّ شعري به حَقيقُ
يطيرُ كالصَّقْرِ في شَمُوخِه
ويدَّعِي سَبْقَه البطريقُ
أُبُثُّهُ الهَمَّ ثمّ يَنْأَى
فلا يُعاتِبُني رفيقُ
ولا يَصُدُّ فمي عذولٌ
ولا يُرِيقُ دمي مُرِيقُ
كأنّه صاحبٌ وفيٌّ
يُطِيقُ مِنّيَ ما يُطِيقُ
طَوَّعَ لي بالأسَى القَوافي
تَرسُمُ حُزنًا بنا يليقُ
أَنْحَتُ منها جمالًا خالدًا
يُودِي بما نَحَتَ الإغريقُ
كذلكَ الحُرُّ إذ يُعانِي
فثوبُ أحزانِه أنيقُ
بسمتُه لا يَرَى شَجَاها
إلّا الذى ذاقَ ما يَذُوقُ
مِنْ رِقَّةِ القلبِ باتَ يشقَى
يا تَعسَ مَنْ قلبُه رقيقُ
لا الغِيدُ يُرجِعْنَه سعيدًا
ولا الحُمَيَّا بها يروقُ
صَبَبْتُها والدُّجَى سَوَادٌ
فأشرَقَتْ حيثُ لا شُرُوقُ
شربتُها فدَعَتْ هُمُومًا
أُخرَى كأنّي بها أُفِيقُ
كأنها قهوةٌ أَتَاني
في إثْرِها السهدُ والتأريقُ
الشمسُ تشرقُ في كؤوسِها
للهِ ما خَبَّأَ الإبريقُ
تُشَابِهُ الشمسَ في أفعالِها
ففيهما النارُ والبَرِيقُ
شمسُ الضحى أحرَقَتْ وجوهًا
وبطنُ شارِبِ ذي محروقُ
حمراءُ مثلُ دموعي إذ جَرَتْ
وكأسُها جَفْنِي الغريقُ
عتيقةٌ مثلُ حُزني إنّما
يَغلِبُها حُزنيَ العَتِيقُ
راوَدتُها فعَصَتْ وأعرَضَتْ
كأنَّها بَرَّةٌ خَلُوقُ
حسبتُ فيها سُلُوًّا ساعةً
فضَمَّني الوجدُ والتشويقُ
فلمْ يُهَوِّنْ عليَّ رُزءٌ
ولمْ يُفَرَّجْ لَديَّ ضيقُ
يا ليتَني متُّ قبلَ هذا
فلا زفيرٌ ولا شهيقُ
فلَمْ يَلُمْنِي علَى فِعَالِي
يومًا كذوبٌ ولا صَدوقُ
كم نِيَّةٍ صَدَقَتْ وأَخلَصَتْ
مِنْ حيثُ كَذَّبَها المَنْطُوقُ!
ونِيَّةٍ كَذَبَتْ ولكنْ
لِسانُها حكمةٌ تَرُوقُ!
ما أعمقَ الجُرحَ في فؤادي!
لا بحرَ قُدَّامَهُ عميقُ!
يا عُزلتي بكِ ضِقتُ ذرعًا
لكنّني بالورى خَنِيقُ
ثلاثةٌ ما أَسَأْنَ صُحبَتي
أنا وظِلِّيَ والطريقُ